عبد الرحمن الأنصاري الدباغ

41

مشارق أنوار القلوب ومفاتح أسرار الغيوب ( ويليه سر الأسرار في كشف الأنوار للغزالي )

الحزن وتفرّح القلب وتبسط الأمل وتسلي الهموم للمناسبة التي بين النفس وبين الاعتدال والصفاء والنور ومضادّة طبعها للظلمة والكدرة . فأما تأثير الألحان والأنغام الموزونة فيعظم وقوعه في النفوس حتى إنّه يتعدّى إلى أرواح الحيوان غير الناطق ، فإنّا نجد الجمل على غلظ طباعه يحمل الأثقال العظيمة فإذا سمع صوت الحداة قطع المسافة الطويلة في الزمن القصير ، وكذلك الطيور تطرب لحسن النغم ؛ والطفل الرضيع يسكن ضجره عند التلحين ويهدأ كربه وينام . ويكفي في ذلك ما يحكى عن الآلة المسمّاة بالأرغن وتأثيرها في النفوس من الأخلاق المختلفة . فميل النفوس إلى هذه الأمور المناسبة لها أمر طبيعيّ فيها لا ينكر ومحبتها لها إنما هي لذاتها لكونها مظهرا للجمال ، فإن قارنت هذه اللذة لذة أخرى مثل مقارنة لذة النظر إلى الصور الجميلة الآدمية شهوة النكاح ، فإن تلك الشهوة عن باعث آخر من الطبع الحيواني ، إذ شهوة النكاح مغايرة للذة الإدراك النفساني ، والباعث على هذه غير الباعث على تلك ، فإن النفوس لما كانت ثلاثة أجناس : نباتية وحيوانية وإنسانية ، فلذة النباتية في المطعم والمشرب ، ولذة الحيوانية في المنكح وفي موجبات الغضب من التشفّي والانتقام والرياسة ، ولذة النفس الإلهية في تحصيل المعارف الربّانية والانتعاش بالعلوم الدينية والقرب من الحقّ تعالى ومحبّته . فالإنسان على هذا يجانس النبات بالنفس النباتية والحيوان بالنفس الحيوانية والملائكة بالنفس الإلهية . ولما كانت هذه القوى الثلاث في الإنسان متغايرة كانت لذاتها أيضا متغايرة على ما قلناه . ومما يدلّ على اختلاف البواعث على هذه اللذات أنّا نجد الحمار مثلا إنما ينكح لدفع الفضلة المجتمعة فيه لا لأجل حسن صورة المنكوح عنده ، فإن البهيمة لا تفرق في نكاحها بين الصورة الحسنة والقبيحة ، وكثير من الناس لا ينكح إلا لتحصيل الولد وآخرون لمحض اللذّة لا غير ، وهو الأكثر ، والعارف ليتخذ هذه اللذة سلّما لفهم اللذات الأخروية للمناسبة الروحانية التي بينهما حتى يفهم تلك اللذة من ذاته ، وبهذا القصد تخرج هذه اللذة عن صورتها الظاهرة وتصير من الكمالات ، وقد يوجد في الناس من يفقد شهوة الجماع البتة ولا يفقد شهوة النظر إلى الصورة الجميلة وبالضدّ كالبهائم . فدلّ على تغاير الشهوتين . وأيضا فإن الذي يلتذّ بالنظر إلى الأزهار الأنيقة والرياض الأريضة والمياه الصافية والنقوش المزخرفة لا يحبّ نفسها ولا يحبّها إلّا لمجرّد لذة النفس بالنظر إليها لا